كلمات في فضل طلب العلم

لقراءة المقال باللغة الفرنسية: 

Propos sur le mérite de rechercher la science

الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلَّمه ما لم يكن يعلم، والصَّلاة والسَّلام على خير من بلَّغ وعلَّم؛ محمّد بن عبد الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ وعلى آل بيته الطَّاهرين أُولِي العلوم والحِكَم، وسائرِ صحابته الميامين ذوي الفضائل والمناقب والهِمم، الَّذين خاطبهم ربُّنا جلَّ وعزَّ شاهدًا لهم بالخيريَّة والإِيمان، ومادِحًا أمرَهُم بالمعروف ونهيَهم عن المنكَر فقال تبارك وتعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ]آل عمران: ١١٠.[

وبعدُ؛ فإنَّ مِن خير الأُمور الّتي يسعى لتحصيلِها العقلاء الأتقياء، ويقضي الأَعمارَ في بثِّها ونشرِها العلماءُ العاملون الفضلاء؛ العِلمَ الشَّرعِيَّ المبنيّ على الكِتابِ والسُّنَّة بفهم السَّلف الصَّالحِ لهذه الأمَّة؛ فقد نزلَت آياتٌ بَيِّنَاتٌ مُحْكَمات، ورُوِيَت أَحَاديثٌ صَحِيحَاتٌ صَرِيحَات، كُلُّها في إثبات فضل وشَرفِ العلم وأهله، مِمَّن فَقه في الدِّين واستنار به في سعيِهِ إلى ربِّ العالمين، داعِيًا إليه وحاثًّا على تعَلُّمهِ والعَمَلِ به وكذا نَشرِهِ وتعليمِهِ غَيرَهُ مِن المسلِمينَ؛ قال اللهُ سُبحانَهُ وتَعالى : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ]الزمر: ٩[، وقال تعالى : ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾  ]فاطر: ٢٨ [، وقال تَعالى : ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ]يوسف: ٧٦ [.

وقال النَبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّم:” مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا، سَلَكَ اللهُ بِهِ طَريقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ ، وإنَّ المَلَائِكةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ العِلْمِ، وَإنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، والحِيتَانُ فِي جَوْفِ المَاءِ، وإنَّ فضْلَ العَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وإنَّ الْعُلَماءَ وَرَثةُ الْأنْبِياءِ، وإنَّ الْأَنْبياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينارًا وَلَا دِرْهَمًا، ورَّثُوا العِلمَ فَمَنْ أَخَذَه أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ.” رواه أبو داود، وابن ماجه وأحمد وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.

قال ابنُ جَمَاعَةَ رحمه الله مستنبطًا فضل أهل العلم من هذا الحديث:”وحَسبُكَ بهَذِهِ الدَّرَجَةِ مَجدًا وفَخرًا، و بهَذِهِ الرُّتبَةِ شَرَفًا و ذِكرًا، فَكَما لا رُتْبَةَ فَوقَ رُتبَةِ النُّبُوَّة فلا شَرَفَ فَوقَ شَرفِ وَارِثِ تِلكَ الرُّتبَة”.

وقال رحِمَه الله في فضل طلب العلم و انتفاعِ مَن يَطلُبُهُ بِدُعاءِ مَن يدعو لهُ مِنَ الملائِكةِ وغَيرِهِم :”واعلَم أَنَّهُ لا رُتبَةَ فَوقَ رُتبَة مَن تَشتَغِلُ الملائِكَةُ و غَيرُهُم بِالاستِغفارِ والدُّعاءِ لَه و تَضَعُ أَجنِحَتَها، وإِنَّه لَيُتَنَافَسُ في دعُاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ أَو مَن يُظَنُّ صَلاحهُ فَكَيْفَ بِدُعاءِ الملائِكَة…”. (يُنظَر في “تذكرة السّامع و المتكلّم في أدب العِلم و المُتعلّم”، للعَلَّامَة بَدر الدِّين أبي عَبدِ اللهِ بنِ جَماعَةَ الكِنانِي، ص: ٤٣ و٥٢).

فلا شكَّ أنَّ هذا مِمَّا يستدعِي العزمَ والتَّشميرَ على سَاعِدِ الجِدِّ وإِعْمالَ الهَمِّ طَلبًا للعِلمِ، فالبِدَارَ البِدَارَ إِلى العِلمِ تَعَلُّمًا ودرَاسةً وطلبًا، فليسَ مَن يَعْلَم كَمَن لا يَعْلَم؛ وكلَّما ازدَادَ الإِنسانُ عِلمًا ارتَفَعَتْ عَنهُ صِفَةُ الجَهْلِ الَّتي وُلِدَ بِها وزالت عنه الجَهَالَة ؛ وكلَّما زال عنه الجَهلُ اقْتَرَبَ مِن مَوْلَاهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وكان أَهلاً لإِكرامِهِ وإِنعامِهِ وتفضيلِهِ، قال اللهُ تَعالى : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ  ]المجادلة: ١١ [.

فلِأَجل هذه المعاني السَّامية والمقاصدِ العالية سطّرت هذه الكلمات اليسِيرة في مبناها، الهادفة والغزِيرة في معناها، كيف لا، وهي مرصَّعة بآيات الكتاب الحكيم، وحديث النَّبيِّ المصطفي الكريم عليه أفضل الصَّلاة وأزكى الـَّسليم؛ فجاءت مذكِّرة إِخواننا المسلمين، والشَّباب بوجهٍ خاصٍ، بأَهميَّةِ الفقه في الدِّينِ وفضل العِلمِ وشَرَفِه؛ عسى الله -تَبَارَكَ اسمُهُ- أَنْ يَشْحَذَ بِها الهِمَم وتَرقى بها العَزَائِمُ إلى أَعلى القِمَم، فبالعِلمِ النَّافِعِ والعَمَلِ بِهِ نَكُونُ خيْرَ أُمَّةٍ عَرَفَتْها الأُمَم، قال اللهُ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ]آل عمران: ١١٠.[

فنسأَلُ اللهَ تَباركَ وتَعالى بأسمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلَى أَن يَنفَعَ بِهَذِهِ الكلمات نَفعًا كَثيرًا، وأنْ يوفِّقنا ويوفِّق إخوانَنا للسَّعي في تَحْصيل العِلمِ والعَمَلِ بِهِ والدَّعوة إليه، آمِين، وآخِرُ دَعوَانَا أنِ الحَمدُ للهِ ربِّ العَالمِين.

وكَتَبَ: أبو فهيمة عبدُ الرَّحمن البِجَائِي

بِجَايَة ليلة الأحد ٢٠ مُحرّم ١٤٣٢.

الموافق ل: 26 ديسمبر 2010م.