جناية الكاف الاستعماريَّة على اللُّغة العربيَّة

عبارة “أنا كمسلم…” أنموذجًا

اضغط على الرابط لتحميل نسخة PDF

جناية الكاف الاستعماريَّة على اللُّغة العربيَّة

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، والحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أمَّا بعد:

فهذه لفتة إلى موضوع في اللُّغة يتعلق بتقليد كثير من الكتَّاب العرب في هذا العصر للاستعمال اللُّغويِّ الإفرنجيِّ، وإقحام كثير من ألفاظ الإفرنج وأساليبهم وصِيَغهم وعباراتهم في لغتنا العربيَّة الفصحى وإنشاءها، ممَّا شوَّه جمالها، وعكَّر صفاءها، وأضعف قوتها: بسبب ضعف أهلها.

وفي هذه الالتفاتة، سأنقل كلام أهل العلم حول استعمال “كاف الإفرنج” في محلٍّ لا تقبله اللُّغة العربيَّة الأصيلة، ولم تعرفه أساليب العرب الفصحاء، ألا هو في التَّعبير عن “حقيقة الحال” بصيغة التَّشبيه.

وجدير بالذِّكر أنَّ استعمال “الكاف الإفرنجيَّة” في هذا المحلِّ إنَّما طرأ على العرب والمسلمين في أحلك أزمانهم العصيبة التي أرهقتهم بالضَّعف والتَّراجع العلمي، والأدبي، واللُّغوي؛ ألا وهو زمن الاستعمار الغربيِّ لبلادهم؛ الذي لم يقتصر على إزهاق الأرواح ونهب الثَّروات، بل تعدَّى ذلك بكثيرٍ إلى محاربة الدِّين والسَّعي حثيثًا لتقويض اللُّغة العربيَّة واجتثاثها من جذورها في أوطانها، ومحو الآداب وتبديلها، وتحطيم الأخلاق وتغريبها؛ فتخلَّل في أثناء ذلك فيما تخلَّل من خصوصيَّات المستعمر اللُّغوية الأعجميَّة: خاصيَّة “كاف التَّشبيه” في موضع التَّعبير عن “حقيقة الحال” كما سبق.

ولقد بيَّن بعض أهل العلم كما سيأتي سبب هذا الاستعمال الدَّخيل، وهو الجهل باللُّغة العربيَّة واللُّغات الأجنبيَّة، ومن هؤلاء العلماء العلَّامة الفهَّامة اللُّغويُّ المحدِّث الشَّهير، العارف باللُّغات الأجنبيَّة، ومترجم القرآن وصحيح البخاري إلى اللُّغة الإنجليزيَّة: تقيُّ الدِّين الهلالي السَّلفي المغربي رحمه الله تعالى.

وينبغي التَّنويه على أن جهَّال المترجمين والكتَّاب والإعلاميِّين هم الذين جرُّوا العرب إلى هذا الخطأ السيِّئ؛ لأنَّهم هم الذين نشروه في الأمَّة عبر كتبهم وجرائدهم وإعلامهم، فإن اللَّفظة الفرنسيَّة (comme) التي نسخت منها “الكاف الاستعماريَّة”، بالنِّسبة لفريق الكتَّاب مزدوجي اللُّغة (عربي/فرنسي)؛ فإنَّ هذه اللَّفظة الفرنسيَّة تأتي على معان منها: التَّشبيه، والتَّمثيل، والصِّفة، والإضافة، والغرض، والمقارنة، والحال[1]، وهي بمعنى  الحال تأتي مرادفة لعبارة (en tant que)؛ ومن هنا جاء الخلط بين هذا الاستعمال للتَّعبير عن الواقع، وبين التَّشبيه المعبَّر عنه “بكاف العرب”؛ لأنَّه في عرف اللُّغة الفرنسيَّة لما يقول المتكلِّم الفرنسيُّ مثلًا:”Je travaille comme enseignant”؛ فمعناه:”Je travaille en tant qu’enseignant”؛ بمعنى: “أعمل معلِّمًا”، وليس “أعمل كمعلِّم”، ويظهر هذا الاستعمال بشكل أوضح ويُجلِّي خطأ نقله إلى العربيَّة في المثال التَّالي، فإذا قال:”J’ai choisi ma cousine comme épouse”؛ فمعناه:”اخترت قريبتي لتكون زوجةً لي”، وليس “اخترت قريبتي كزوجةٍ لي” فيُفهم حينئذٍ أنها ليست زوجةً حقيقةً وواقعًا بهذا المنطوق؛ فاستعمال (comme) في هذا الموضع هو تعبير عن الواقع وليس التَّشبيه الذي فَهِمه المترجمون العرب فجعلوا “الكاف” معادلًا له.

وسأنقل الآن كلام العلَّامة تقيِّ الدين الهلالي رحمه الله في كتابه “تقويم اللِّسانين”، والذي جعل فيه “الكاف الدَّخيلة الاستعماريَّة” كما سمَّاها أوَّل ما بدأه به من تنبيهات لتقويم اللِّسانين: لسان المرء وقلمه؛ لأنَّ القلم أحد اللِّسانين، كما تقول العرب.

قال رحمه الله تحت عنوان: الكاف الدَّخيلة الاستعماريَّة:

أمَّا تسميتها دخيلةً فلا إشكال فيه، لأنَّها لا توجد في الإنشاء العربي الذي قبل هذا الزمان، أمَّا تسميتها استعماريَّةً؛ فلأنَّها دخلت في الإنشاء العربي مع دخول الاستعمار البلدان العربيَّة؛ فإنَّ جهلة المترجمين تحيَّروا في ترجمة كلمة تجيء في هذه اللُّغات قبل الحال، وهي في الإنكليزيَّة (as) وفي الفرنسيَّة (comme) وفي الألمانية (als) مثال ذلك: فلان كوزير لا ينبغي له أن يتعاطى التِجارة، وفلان يشتغل في الجامعة كمحاضر، وفلان مشهور ككاتب.

وهذا الاستعمال دخيل لا تعرفه العرب، ولا يستسيغه ذوقٌ سليم، وليس له في قواعد اللُّغة العربيَّة موضع، ودونك البيان:

قال ابن مالك:

شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا التَّعليلُ قَدْ   يَعْنِي وَزَائِدًا لَتَوْكِيدٍ وَرَدْ

(واستُعمِل اسمًا).

تأتي الكاف في كلام العرب لأربعة أمور :

  1. التَّشبيه كقول المتنبِّي في ممدوحه:

كالبحر يقذف للقريب جوهرا   جودًا ويبعث للبعيد سحائبَ

كالشَّمس في كبد السَّماء وضوئها   يغشى البلاد مشارقًا ومغاربَا

وأركان التَّشبيه أربعة: المشبَّه، والمشبَّه به، وأداة التَّشبيه، ووجه الشَّبه؛ فالمشبَّه في البيتين المذكورين هو الممدوح، والمشبَّه به الشَّمس والبحر، وأداة التَّشبيه الكاف، ووجه الشَّبه حصول النَّفع للقريب والبعيد.

فالشَّمس على بعد فرطها من الأرض، ينتفع أهل الأرض بضوئها ودفئها، وإنضاجها للثِّمار إلى غير ذلك، فكذلك الممدوح يصل إحسانه إلى من كان بعيدًا عنه، ولا يقتصر على من كان قريبًا منه.

والمشبَّه في البيت الأوَّل هو الممدوح، والمشبَّه به هو البحر، وأداة التَّشبيه هي الكاف، ووجه الشَّبه، وصول الإحسان إلى القريب والبعيد؛ فالقريب يستخرج الجواهر من البحر، والبعيد ينتفع بمطر السَّحائب النَّاشئة من البحر، فكذلك الممدوح يعطي  ̶  من كان حاضرا عنده  ̶  الجوائز والصِّلات، ويبعث بها إلى من كان بعيدًا عنه.

وبهذا تعلم أن “الكاف” الاستعماريَّة لا يجوز أن تكون للتَّشبيه البتَّة لعدم وجود أركانه.

  1. هو التَّعليل: تجيء الكاف للتَّعليل، كقوله تعالى في سورة البقرة (198) : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ ؛ أي واذكروا الله، لأنَّه هداكم.
  2. أن تكون زائدة إذا دخلت على كلمة بمعناها، وجعل منه قوله تعالى في سورة الشُّورى (19) : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ؛ فإن قلت: إن كانت زائدة لا فائدة في ذكرها، فلماذا جاءت في القرآن؟ فالجواب: أنَّ فائدتها التَّوكيد، وإنَّما سمِّيت زائدة لأنَّ الكلام يتمُّ بدونها، كما تزاد (من) للتَّوكيد في قوله تعالى في سورة المائدة (19) : ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ ؛ من: هنا زيدت لتوكيد النَّفي، ولو حذفت لكان الكلام تامًّا.
  3. أن تكون اسمًا بمعني مثل، كقول الشَّاعر:

أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط   كالطَّعن يذهب فيه الزيت والفتل

الاستفهام هنا إنكاري، يقول الشَّاعر لأعدائه: كيف تنتهون عن ظلمكم وبغيكم، ولن ينهى ذوي الظلم شيء مثل الطَّعن المبيد، المهلك الذي لا يترك لهم شيئًا لا أنفسًا ولا أموالًا، فإنَّ ذهاب الزَّيت والفتيلة كناية عن الهلاك التَّام، وهذا ينبغي أن يقال للمستعمرين، إذا كانت الرِّماح التي يطعن بها حاضرة، وهي في هذا الزَّمان القنابل المحرقة التي لا تبقي ولا تذر.

فهذه معاني الكاف عند العرب، وما سواها شاذٌّ لم يجيء في الكلام البليغ.

وإنَّما وقع جهلة المترجمين في هذا الاستعمال الفاسد لضعفهم في اللُغتين أو إحداهما، فلا يستطيعون إدراك معنى الجملة مجتمعة ليصوغوا في اللُّغة الأخرى جملة تؤدِّي المعنى المطلوب بألفاظ جيِّدة الاستعمال، واقعة في مواضعها التي يقتضيها النَّظم الفصيح، وهذا العجز هو الذي يلجئهم إلى أن يبدلوا كلَّ مفرد في إحدى اللُّغتين بمفرد آخر في اللُّغة الأخرى، فيجيء الترَّكيب فاسدًا مُعوجًّا، لا تستسيغه أذواق الفصحاء في اللُّغة التي ينقل إليها المعنى: وستأتي في هذه المقالات، إن شاء الله، أمثلة عديدة توضِّح ذلك.”[2] انتهى كلامه رحمه الله.

فأنت ترى أخي القارئ اللَّبيب طريقة تحرير العلماء لمثل هذه المسائل، وأنَّهم ليسوا كما يفعل بعضهم من إلقاء الكلام على عواهنه؛ فيُجوِّز ما منع منه العلماء ولم تعرفه العرب في لغتها وأساليبها، بل ويجعل ذلك قريبًا هيِّنًا.

أمَّا عن حكم استعمال “الكاف” في سياق تعبير الرَّجل على أنَّه مسلم؛ فقد قال محدِّث العصر العلَّامة الألباني رحمه الله تعالى في جواب سؤالٍ جاء فيه:

“السَّائل: ما هو موقفي كمسلم لو دخل اليهود أو الأمريكان، وهل يجوز أن أقاتل تحت راية، الرَّاية الموجودة الآن وهي راياتٌ غير إسلاميَّةٍ؟

الشَّيخ رحمه الله: قبل الإجابة عن السُّؤال، أريد أن ألفت نظرك، وأنت لأوَّل مرَّة تلتقي بمثل هذا المجلس، أنَّه لا يجوز لك أن تقول أنا كمسلم؛ لأنَّك حينما تقول أنا كمسلم، اللَّفظ يُشعر وإن كان القلب لا يعني ذلك، أنَّك لست مسلمًا، لأنَّك حينما تقول زيدًا كالأسد؛ فهو ليس بالأسد، ولكنَّه يشبه الأسد؛ فحينما يقول شخص عن فلان: هو كمسلم؛ معناه أنَّه ليس مسلمًا، ولذلك فالصَّواب في مثل هذا السُّؤال، أن يقال: أنا بصفتي مسلم وليس كمسلم، بعد هذا التَّصحيح للسُّؤال أعود لأقول: إنَّ الدِّفاع عن النَّفس تجاه المهاجم للمسلم في عقر داره أمر واجب، حتَّى لو كان المهاجم مسلمًا، فكيف إن كان المهاجم كافرًا، أخذت جواب سؤالك؟

السَّائل : نحن قلنا تحت رايات غير إسلامية .

الشَّيخ : لكن قلت قبل ذلك ماذا ؟

السَّائل : الهجوم الإسرائيلي أو الأمريكي .

السَّائل : الدفاع يعني واجب .

الشَّيخ : آه ، لكن حينما تعلن راية، أو ترفع راية غير إسلاميَّة للقتال، إذا كان المقصود بالقتال هو الدِّفاع فعرفت الجواب أنَّه واجب، أمَّا إذا كان المقصود بالقتال هو المهاجمة، فحينئذٍ لا يجوز إلَّا أن تكون تحت رايةٍ إسلاميَّةٍ[3](…).

وقال كذلك رحمه الله في موضع آخر:

“…فينبغي علينا نحن بصفتنا سلفيِّين، ولا أقول ينبغي علينا كسلفيِّين؛ لأنَّ هذا تعبير خاطئ (…): أنا كمسلم، أنا كسلفي، أنا كذا… هذا تعبير أعجمي؛ لذلك من الخطأ أن يقول الإنسان: أنا كسلفي، أو كمسلم.”[4]

 

فأنصح إخواني أن يأخذوا العلم عن العلماء، وأن لا يركنوا إلى النَّاشئين المتعالمين: الذين أصبحوا يكتبون في أمورٍ كثيرةٍ أكبر منهم ولا تعنيهم و“مِنْ حُسْنِ إِسْلُامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ”[5]، بل ويفتون وينظِّرون، وهم بما عندهم من بضاعةٍ مزجاةٍ مُعجَبون، وينطبق عليهم المثل العربي الذي كثيرًا ما كان يستشهد به العلَّامة الألباني رحمه الله:”تَزَبَّبَ قَبْلَ أَنْ يَتَحَصْرَمَ”، وهذا الصِّنف مع الأسف الشَّديد تعجُّ به مواقع التَّواصل، والله المستعان.

وسبحانك اللَّهمَّ وبحمدك، أشهد أن لا اله إلَّا أنت، أستغفركـ وأتوب إليك.

وكتب: أبو فهيمة عبد الرَّحمن عيَّاد البجائي

بجاية، يوم الخميس: 01 جمادى الآخرة 1442.

الموافق ل: 14/01/2021 م.

جناية الكاف الاستعماريَّة على اللُّغة العربيَّة:عبارة “أنا كمسلم…” أنموذجًا

……………………….

[1]Le Robert Briot, analyse comparative des mots, entrée (comme), p. 319.

[2] “تقويم اللسانين”، للعلامة تقي الدين الهلالي، ص: 10-13.

[3] “سلسلة الهدى والنور”، للعلامة الألباني رحمه الله، رقم: 344 (وهو منشور على الشبكة).

[4]شريط متفرقات للألباني، رقم: 178 (منشور على الشبكة).

[5] صحَّحه الألباني في “صحيح التِّرمذي” (2317).