الاستغفار والتَّوبة يرفعان البلاء

فكذلك من جملة الأسباب والوسائل الشَّرعيَّة التي يرفع الله بها المصائب والبلايا: الاستغفار والتَّوبة إلى الله التَّوَّاب الرَّحيم؛ والتَّوبة معناها الرُّجوع إلى الله سبحانه وتعالى والإنابة إليه، والرُّجوع عن المعصية إلى الطَّاعة وترك ما حرَّم الله؛ فما نزلت مصيبة إلَّا بذنب، وما ارتفعت إلَّا بتوبة واستغفار، وما يتجاوز الله عنه أكثر ممَّا يحصيه العبد، كما قال الله سبحانه : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ]الشورى: 30 [، ولذا ينبغي على المسلم أن لا يغفل عن استغفار ربِّه وتجديد توبته، ويتأكَّد ذلك حال وقوع البلاء، قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ]النور: 31 [، وقال سبحانه : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ ]التحريم: 8 [، والتَّوبة النَّصوح، هي التَّوبة الصَّادقة التي لا رجعة إلى الذَّنب بعدها، كما قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه لمَّا سئل عنها :”هو العبد يتوب من الذَّنب ثمَّ لا يعود إليه.” (تفسير الطَّبري)، وقال الله تعالى على لسان نبيِّه هود عليه السَّلام : ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾  ]هود: 52 [، فذكر عليه السَّلام بعض ثمرات التَّوبة بعد أن أمر بها وبالاستغفار؛ فالتَّوبة باب واسع إلى رحمة الله سبحانه وتعالى وواسع عطائه، بل إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد أخبر أنَّه يحوِّل ذنوب عباده التَّائبين إلى حسنات يكسبونها لقاء ندمهم وإنابتهم وإقلاعهم عن معصية ربِّهم؛ فقال جلَّ وعلا : ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ]الفرقان: 70 [.

فالعبد مطالب بالرُّجوع إلى ربِّه وطلب المغفرة منه، وله في ذلك أسوة بسيِّد المستغفرين، الذي أخبر عن نفسه بعدما أمر بالتَّوبة فقال صلى الله عليه وسلم :”يَا أيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مَائَةَ مَرَّةٍ.” (رواه مسلم)، وعن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما قال :” إن كنَّا لَنَعُدُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرَّة: ((رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ؛ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.” (رواه أبو داود).

ولقد جعل العلماء رحمهم الله شروطا للتَّوبة حتَّى تكون صحيحة، نذكرها كما ذكرها سماحة العلّامة عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، حيث قال:

“وشروط التَّوبة ثلاثة: النَّدم على الماضي ممَّا فعلت ندمًا صادقًا، والإقلاع من الذُّنوب، ورفضها وتركها مستقبلًا، طاعة لله وتعظيمًا له، والعزم الصَّادق ألَّا تعود في تلك الذُّنوب، هذه أمور لا بدَّ منها.

أوَّلًا: النَّدم على الماضي منك والحزن على ما مضى منك.

الثَّاني: الإقلاع والتَّرك لهذه الذُّنوب دقيقها وجليلها.

الثَّالث: العزم الصَّادق أَّلا تعود فيها.

فإن كان عندك حقوق للنَّاس، أموال أو دماء أو أعراض فأدِّها إليهم، هذا أمر رابع من تمام التَّوبة، عليك أن تؤدِّي الحقوق التي للنَّاس؛ إن كان قصاصًا تمكِّن من القصاص إلَّا أن يسمحوا بالدية، إن كان مالًا ترد إليهم أموالهم إلَّا أن يسمحوا، إن كان عرضًا كذلك، تكلَّمت في أعراضهم، واغتبتهم تستسمحهم، وإن كان استسماحهم قد يفضي إلى شرٍّ فلا مانع من تركه، ولكن تدعو لهم وتستغفر لهم، وتذكرهم بالخير الذي تعلمه منهم في الأماكن التي ذكرتهم فيها بالسُّوء، ويكون هذا كفَّارة لهذا. وعليك البِدار قبل الموت، قبل أن ينزل بك الأجل، عليك البِدار، والمسارعة، ثم الصَّبر والصِّدق، يقول الله سبحانه وتعالى : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ]آل عمران:135] افهم معنى وَلَمْ يُصِرُّوا يعني لم يقيموا على المعاصي، بل تابوا وندموا وتركوا، ولم يصرُّوا على ما فعلوا، وهم يعلمون، انتقل بعد ذلك سبحانه إلى ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ آل عمران:136] هذا جزاء التَّائبين الذين أقلعوا ولم يُصِرُّوا، لهم الجنة.” (انظر موقع الشَّيخ رحمة الله عليه: https://binbaz.org.sa/fatwas/20276/%C2%A0%D8%B4).

فاللَّهمَّ اغْفِرْ لنا، وتُبْ علينا؛ إنَّك أنت التوَّابُ الرَّحيم، واللَّهُمَّ إنَّا نعُوذُ بكَ مِن زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ.

وكتبه: أبو فهيمة عبد الرَّحمن عيَّاد البجائي

ليلة الاثنين 27 رجب 1441/ الموافق ل: 23 مارس 2020م.

https://kabyliesounna.com/الاستغفار-والتَّوبة-يرفعان-البلاء/