التَّوَكُّل على الله سلاح المؤمن لدفع البلاء

التَّوَكُّل على الله سلاح المؤمن لدفع البلاء

ومن الأسباب الإيمانيَّة الشَّرعيَّة العظيمة للوقاية من هذا الوباء الذي حلَّ بديار المسلمين، ومن قبلها في كثير من بلدان العالم، بل للتوقِّي من كلِّ بلاء: التوكُّل على الله جلَّ وعلا، امتثالا لأمر الله سبحانه وتعالى بالتَّوكُّل عليه حال تسلُّط العدوِّ والخوف من حصول القتل والموت ((يَّا أَيُّها الَّذِينَ آمَنَوُا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنَونَ)) ]المائدة: 11 [، وقال الله تعالى حكاية عن عن الصَّحابة رضي الله عنهم الذين نجاَّهم بتوكُّلهم ممَّا يسوءهم : ((الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمسَسْهُمْ سُوءٌ)) ]آل عمران: 174[، والآياتُ في هذا المعنى كثيرة، ولكن لا يستقيم توكُّل العبد ولا يصحُّ حتَّى يتَّخذ الأسباب الشَّرعيَّة التي بها ينال المرغوب ويدفع المرهوب، ولهذا اتَّخذ النَّاس دروعا في الحروب اتقَّاء سهام العدوِّ وطعناته، وشُرع الجماع لطلب الولد، وتعاطي الدَّواء لحصول العلاج والشِّفاء، وتناول الطَّعام والشَّراب لدفع الجوع والعطش، وارتداء اللِّباس للوقاية من البرد وهكذا؛ ومن السُّنَّة ما يوضِّح ذلك كقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم « لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا. » (رواه الترمذي وصحَّحه الألباني)؛ فدلّ الحديث على أنَّ التَّوكُّل على الله سبحانه مع تعاطي الأسباب مدعاةٌ للرِّزق، فإنَّ تلك الطُّيور لا تبقى في أوكارها ويأتيها طعامُها، وإنَّما تغدو؛ أيْ تذهب صباحا وتنطلق بحثا عن قُوتِها وهي خماص؛ أي فارغة البطون؛ جائعة، ثمَّ تروح بطانا؛ بمعنى تعود في آخر اليوم إلى أعشاشها ممتلئة بطونها بما قدَّره الله لها من طعامها؛ وكذلك من الأحاديث الدَّالة على أنَّ التَّوكُّل يكون مقترنا بالأسباب المشروعة حديث أَنَس ابن مَالِكٍ؛ حيث قال: « قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ، قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ. » (رواه الترمذي وحسَّنه الألباني)، وأعقِلُها يعني أَرْبُطُهَا، ويقصد ناقتَه؛ والمؤمن حريصٌ على الخير، ساعٍ إلى تحصيل ما ينفعه في أمور دنياه وأخراه، يتمثَّل بذلك وصايا نبيِّه صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته كقوله عليه الصَّلاة والسَّلام : »احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ. » (رواه مسلم).

وبيانًا لهذه المسألة يقول سماحة الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله : »فليس من التَّوكُّل تعطيل الأسباب، بل التَّوكُّل يجمع بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله، ومن عطَّلها فقد خالف الشَّرع والعقل؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ أمر بالأسباب وحثَّ عليها سبحانه، وأمر رسوله بذلك، وفطر العباد على الأخذ بها، فلا يجوز للمؤمن أن يُعَطِّل الأسباب؛ بل لا يكون متوكِّلا حقيقة إلَّا بتعاطي الأسباب، ولهذا شرع النِّكاح للعفَّة وحصول الولد وأمر بالجماع، فلو قال أحد من النَّاس أنا لا أتزوَّج وانتظر الولد بدون زواج، لعُدَّ من المجانين، وليس هذا من أمر العقلاء، وكذلك لو جلس في البيت أو في المسجد يتحرَّى الصَّدقات، لم يكن ذلك مشروعا ولا توكُّلا، بل يجب عليه أن يسعى في طلب الرِّزق، ويعمل ويجتهد مع القدرة على ذلك، ومريم رحمة الله عليها لم تدع الأسباب، ومن قال ذلك فقد غلط وقد قال الله لها:  ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾]مريم: 25-[26الآية، وهذا أمرٌ لها بالأسباب، وقد هزَّت النَّخلة وتعاطت الأسباب، حتَّى وقع الرُّطب، فليس في سيرتها ترك الأسباب، أمَّا وجود الرِّزق عندها، وكون الله أكرمها به، وأتاح لها بعض الأرزاق، فلا يدلُّ على أنَّها مُعَطِّلة للأسباب، بل هي تتعبَّد وتأخذ بالأسباب.. » (فتوى الشَّيخ رحمه الله تعالى « كيفية التَّوكُّل على الله »، على موقعه العامر.

(https://www.binbaz.org.sa/fatawa/141)

ولهذا فإنَّ توكُّل العبد على الله سبحانه واعتماده عليه بقلبه وثقته به، مع العمل بالأسباب، ممَّا بيَّنه أهل الخبرة من الأطِّبَّاء وقرَّره ولاة الأمور؛ يُعَدُّ من أقوى الوسائل لوقاية المسلم نفسه من هذا الوباء، الذي نسأل الله جلَّ في علاه أن يرفعه عنَّا وأَن يعافي من أُصيب به من المسلمين؛ ف »اللَّهُمَّ إنَّا نعُوذُ بكَ مِن زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ. » (رواه مسلم، بصيغة المتكلِّم المفرد).

وكتبه: أبو فهيمة عبد الرَّحمن عيَّاد البجائي

ليلة الأحد 26 رجب 1441/ الموافق ل: 22 مارس 2020م.

http://kabyliesounna.com/التَّوكُّل-على-الله-سلاح-المؤمن-لدفع-ا/

Categories adorations croyance